مقال للأستاذ الكاتب / عبدالله المغلوث

نسيتُ قبل نحو عامين، وأنا أقل والدتي إلى حفل زواج ابن عمي أن أعبر لها عن إعجابي بفستانها، الذي راق لي تصميمه وألوانه. حزنت لأنني لم أفش مشاعري تجاه فستانها الجميل. لكن في اليوم التالي حاولت التكفير عن ذنبي، وإخماد وخزات تأنيب الضمير برسالة نصية موجزة، بعثتها إلى هاتفها. قلت فيها "أمي، نسيتُ أمس أن أقول لكِ إن فستانك كان جميلا تصميما وألوانا. دمتِ لامعة كجوهرة". شعرت بسعادة كبيرة جدا عندما بعثت الرسالة. أحسست أنني ظفرت بنبأ سعيد. لكن في الواقع إن السعادة الحقيقية لم تأت بعد. لقد أمطرتني أمي جوهرة بعدة رسائل نصية جوابية. شكرتني كثيرا على الرسالة، والأجمل أنها روت لي قصة هذا الفستان بمتعة: من أين حصلت على قماشه؟ ومن أين قطفت تصميمه؟ وكيف فاوضت الخياط ليقوم بتطريزه؟ عشت معها رحلة هذا الفستان منذ أن كان بذرة حتى أصبح ثمرة.
آمنت حقا بعد ردة فعل أمي على انطباعي المتأخر، ألا أقلل من أهمية أثر أي انطباع أسكبه. وألا أستهين بأي فعل حتى لو كان صغيرا، فربما كان خلفه عمل كبير، والدليل فستان أمي. لقد كنت أعتقد أنها عثرت عليه أثناء جولة تسويقية تقليدية، لكن الأمر كان مختلفا.
نسيء التقدير في أحيان كثيرة، ونظن أن الطبق اللذيذ الذي تذوقناه، أو العبارة الجميلة التي استمعنا إليها، أو تسريحة الشعر الأنيقة التي شاهدناها، لا تستغرق جهدا ووقتا كبيرين. إنها تستغرق وتحتاج إلى من يوقظها في أعماق أحبتنـا بثناء وإطراء لتضيء وتشرق.
إن أهم ما تعلمته من ردة فعل أمي، ألا أتردد في إبداء إعجابي بما حولي، حتى لو كان متأخرا. رائع جدا أن نسجل انطباعاتنا مباشرة. لكن الأجمل أن تستذكرها بعد فترة برسالة أو في لقاء، سينتاب مستقبلها بهجة كبيرة، قد تبدد خلايا حزن نائمة في أعماقه في تلك اللحظات.
سنبهر أحبتنا بهذه الرسائل والكلمات والعبارات، وسنسعدهم وسنجعلهم يعيشون أجواء فرح يحتاجونها ونحتاجها.
أن تبدي إعجابك، بكلمة ارتجلها صديقك، أوعبارة كتبها رفيقك، أوعرض قدمه زميلك بعد فترة سيشعره أن ما قدمه كان عظيما، ولو لم يكن كذلك لما رسخ في ذهنك. سيبهجه رأيك وسيلهمه لتقديم ما هو أزكى وأشهى.
ذاكرتنا قد لا تسعفنا للاحتفاظ بكل التفاصيل الجميلة، لكن ذاكرة هواتفنا الذكية وكمبيوتراتنا تفعل. لمَ لا ندون ما يعجبنا فيما نرى في ملف خاص فيها، ونرتاده كل حين، وقبل أن نغلقه نرسل لأحبتنا أو نتصل عليهم معبرين عن مشاعرنا تجاه ما لمسناه بكل حب؟
نفتقر إلى البيئة الملهمة والمناخ الأخاذ، الذي يقودنا إلى العالم الذي نود ونبتغي، لكن ننسى أننا شركاء في هذه البيئة الجافة المتصحرة، من خلال عزوفنا عن إثرائها بعبارات الإعجاب والإلهام، التي لا تتطلب الكثير من الملايين لكن القليل من المشاعر والكلمات.
لكي ندرك حجم التقصير الذي نقترفه بحق مجتمعاتنا، دعونا نتذكر العبارات الجميلة التي قرأناها، أو الصور الجميلة التي رأيناها، أو المشاريع الواعدة التي لمسناها، وردود فعلنا تجاهها. سيتبين لنا من خلال جولة قصيرة على الماضي، حجم سلبيتنا تجاه ما يكتب وينثر. سندرك حجم تقاعسنا تجاه ما يبهج ويسعد، في المقابل، تذكروا حجم شكايتنا وصراخنا تجاه ما يحزننا ويزعجنا، سنكتشف كم نحن قساة وجفاة.
لن تقوم قائمة لأي مجتمع إذا كان متقشفا في مشاعره وتشجيعه. المجتمعات الناهضة هي التي تحول الكلمات إلى قطارات تقودها إلى الإنجاز والإعجاز.